الغزالي

54

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

العنق ، ويتفرق من مجمع الصدر بين الترقوتين عرقان يصعدان إلى العنق وهما الوريدان ، ثم ينفرق من كل واحد عرقان ، ثم جميع هذه العروق ينبعث فيها الغذاء إلى كل عضو ، من الرأس ، من الشفتين وغيرهما . وأما عروق البدن من الربع الثاني : وهو أحد الأنهار الأربعة من الأنهر الأعظم يتفرق منه عرقان لكل يد عرق من مجمع الصدر من الترقوتين إلى ما بين المنكبين وهما الأكحلان ، ثم ينشعب من كل واحد منهما أربعة عروق سواهما فتسقي العضدين وأجزاءهما ، فذلك عشرة عروق لكل يد خمسة عروق ثم يتفرق من كل واحد من العشرة أربعة تسقي الساعدين ، فذلك خمسون عرقا لكل ساعد منها خمسة وعشرون ، ثم يتفرق من كل واحد من الخمسين عرقا عروق أخرى فتسقي الكفين والأصابع . وأما الجزء الثالث : فالبطن يفترق منه عرقان من مجمع الحالبين إلى اليدين . يفترق من كل واحد منهما تسعة وعشرون عرقا سواهما يدفع إلى كل جزء حصته من الغذاء : للأضلاع أربعة وثلاثون ، ولسائر أجزاء البطن ستة وعشرون : للعصعص عرقان ، وأربعة للمذاكير ، واثنان للكليتين ، واثنان للمثانة ، واثنان يسقيان المعدة ، واثنان للكبد ، واثنان للطحال ، واثنان للفؤاد ، واثنان للمرارة واثنان للرئة ، واثنان للثديين ، وثلاثون للأضلاع ، لكل ضلع عرقان . وأما الجزء الرابع : وهما الرجلان . ففيهما الوتين عرق يفترق منه عرقان ، وهما النسيان . وهما للفخذين لكل فخذ عرق من مجمع الوركين يسقيان الفخذين وأجزاءهما ويفترق من كل واحد منها أربعة عروق ، ثم يفترق من الأربعة خمسون عرقا تنتكس في الساقين لكل ساق خمسة وعشرون عرقا ، فقد صار جملة الإنسان جملة مناسبة للعوالم وجزئياتها ، فهو مشبه للعالم الأعلى بنفسه ومشبه للعناصر بما فيه من ماء وهواء ونار وتراب . ويضاهي الجواهر الأرضية . أما الحيوانية ، فبروحه الحيواني . وأما النباتية ، النامية فبما ذكرناه من عروقه ونموه وتغذيه . وأما الجمادية فبعظامه فهذه المشابهة الكلية . ثم تعرض أجزاءه على كل جزء من العالم فتجده يضاهيه ، وشرح ذلك مما يطول ولو استوفينا فيه الأعمار الطويلة وآباد السنين لما نفد . وعليك أن تمتحن ذلك بكل ما تشاهده ، وتبحث فتجد في عالم جسمك مثل ذلك بل فيه ما يضاهي قوى الحيوان كجرأة الأسد ، وخبث الثعلب ، وطيش القرد وصلابة الخنزير وهكذا . ثم الغذاء إذا استقر في المعدة طبخته الكبد ، وهي حارة رطبة لاصقة في المعدة من الجانب الأيمن ، يمتص منها من صفو الغذاء وكل حار رطب لمشاكلتها له فتصفيه بجوهرها ، وفيها أنابيب كالمصفى فتجذبه العروق وتنقله ويسير فيها حسب ما قدمناه . وأما المرارة فهي معدة الخلط الذي يقال له المرارة الصفراء وهي حارة يابسة لاصقة بالمعدة من الجانب الأيمن مما يلي الكبد ، يمتص منها من صفو الغذاء كل حار يابس للمشاكلة فتصفيه بجوهرها . ثم